أخبار: أزمة "Patriot" في سويسرا: هل تنهار صفقة الـ 2.1 مليار دولار بسبب تأخيرات التسليم لعام 2034؟

تواجه واحدة من أكبر صفقات الدفاع في تاريخ سويسرا الحديث خطر الإلغاء الكامل، حيث أعلن المجلس الفيدرالي السويسري عن مراجعة استراتيجية شاملة لجدوى المضي قدماً في الاستحواذ على منظومة الدفاع الجوي الأمريكية Patriot. وتأتي هذه المراجعة بعد تقارير رسمية صادمة تشير إلى تأجيل موعد التسليم النهائي والقدرة التشغيلية الأولية (Initial Operational Capability - IOC) إلى عام 2034، وهو ما يمثل تأخيراً بنحو عقد كامل عن الجدول الزمني الأصلي الذي كان مقرراً بين عامي 2026 و2028.

تعود جذور هذا المأزق إلى قرار اتخذته وزارة الدفاع الأمريكية (DoD) في يوليو 2025، يقضي بإعادة ترتيب أولويات تسليم صواريخ Patriot PAC-3 MSE (المتعددة المهام والمعززة) لصالح دعم المجهود الحربي في أوكرانيا، تلاه ضغوط إضافية على خطوط الإنتاج نتيجة اندلاع النزاع في الشرق الأوسط مع إيران. هذا التحول الجيوسياسي دفع بطلبات سويسرا إلى مؤخرة طابور الإنتاج العالمي، مما أدى إلى "تغيير جوهري في الأساس التعاقدي" الذي بنيت عليه الصفقة البالغة قيمتها 2.1 مليار دولار.

وفي تطور زاد من تعقيد المشهد، كشف مدير الأسلحة السويسري، أورس لوهر، أن الولايات المتحدة قامت بتحويل مئات الملايين من الفرنكات السويسرية – التي كانت مخصصة أصلاً لبرنامج مقاتلات F-35 Lightning II – لتغطية تكاليف برنامج Patriot، وذلك رغم قرار سويسرا بتعليق المدفوعات منذ خريف عام 2025. وصفت الحكومة السويسرية هذا الإجراء بأنه "غير مرضٍ للغاية"، رغم كونه مسموحاً به تقنياً ضمن إطار المبيعات العسكرية الأجنبية (Foreign Military Sales - FMS).

تعتمد سويسرا في رؤيتها "Air2030" على منظومة Patriot كعمود فقري للدفاع الجوي طويل المدى، لقدرتها الفائقة على اعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية والطائرات المتقدمة. ومع ذلك، فإن التأخير حتى عام 2034 يخلق فجوة أمنية خطيرة في سماء الكنفدرالية، حيث تقترب الأنظمة الحالية من نهاية عمرها الافتراضي.

ونتيجة لذلك، أصدر وزير الدفاع السويسري، مارتن بفيستر، تعليمات فورية لتقييم ثلاثة خيارات استراتيجية:

- الاستمرار: القبول بالشروط المعدلة وجداول التسليم المتأخرة.

- إعادة التفاوض: السعي للحصول على ضمانات مالية وتقنية أفضل.

- الإلغاء الكلي: إنهاء العقد والبحث عن بدائل أوروبية، وهو خيار طُرح رسمياً لأول مرة.

تمثل هذه الأزمة نقطة تحول في السياسة الدفاعية السويسرية، التي لطالما حافظت على توازن دقيق بين الحياد والاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية. إن التفكير الجدي في إلغاء صفقة الـ Patriot يشير إلى تآكل الثقة في "المظلة الأمنية الصناعية" الأمريكية نتيجة تقلب الأولويات السياسية في واشنطن.

استراتيجياً، بدأت برن في استكشاف بدائل ضمن القارة العجوز، حيث تتوجه الأنظار نحو منظومة SAMP/T NG (المستقبلية) التي تنتجها شركة Eurosam الأوروبية. هذا التوجه نحو "أوربة الدفاع" لا يهدف فقط إلى تأمين جداول تسليم أكثر استقراراً، بل يتماشى مع الضغوط المحلية المتزايدة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بعيداً عن تقلبات سلاسل التوريد العابرة للمحيط الأطلسي. كما أن هامش الموافقة الضيق الذي حصلت عليه الصفقة في الاستفتاء الشعبي (50.1%) يجعل الحكومة تحت ضغط سياسي هائل لتبرير أي زيادة في التكاليف، والتي قد تصل إلى 50% من القيمة الأصلية.

على المستوى العالمي، يعد التلويح السويسري بإلغاء الصفقة جرس إنذار لشركات الدفاع الأمريكية الكبرى مثل Raytheon و Lockheed Martin. فإذا أقدمت دولة ذات تقاليد عسكرية محافظة ومستقرة مثل سويسرا على هذه الخطوة، فقد يتبعها "تأثير الدومينو" بين الحلفاء الآخرين الذين يواجهون تأخيرات مماثلة.

سيؤدي هذا الوضع إلى تعزيز مكانة الموردين الأوروبيين في سوق الدفاع الجوي، وسيدفع الدول غير المنضوية تحت لواء الناتو إلى إعادة تقييم مخاطر الاعتماد الأحادي على المورد الأمريكي. ومن الناحية الاقتصادية، فإن الفشل في الوفاء بجدول تسليم الـ Patriot سيعيد رسم خارطة المنافسة في قطاع الدفاع الجوي الأرضي (GBAD)، حيث ستصبح "الموثوقية في موعد التسليم" معياراً لا يقل أهمية عن "التفوق التقني" في عقود التسليح المستقبلية.

إن قرار سويسرا النهائي المرتقب في يونيو 2026 لن يحدد مصير أمنها الجوي فحسب، بل سيكون بمثابة اختبار حقيقي لقوة الشراكة العسكرية بين واشنطن وبرن، وفيما إذا كانت الالتزامات التعاقدية الأمريكية قادرة على الصمود أمام العواصف الجيوسياسية المتلاحقة.