أكدت تقارير قيام إسرائيل بنشر كتيبة من منظومة الدفاع الجوي القبة الحديدية Iron Dome في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك في سياق أول استخدام قتالي عملياتي للمنظومة خارج الحدود الإسرائيلية. ويهدف هذا الانتشار إلى حماية منشآت حيوية من هجوم واسع النطاق تضمن صواريخ باليستية وطائرات بدون طيار أطلقتها إيران. وبحسب تقرير نشره موقع Axios في 26 أبريل، ضمت الكتيبة صواريخ Tamir الاعتراضية وعشرات المشغلين الإسرائيليين، حيث نجحت في اعتراض عشرات المقذوفات الإيرانية بعد أن أطلقت إيران نحو 550 صاروخاً باليستياً وصاروخ كروز وأكثر من 2200 طائرة مسيرة باتجاه الإمارات. وتكمن أهمية هذا الحدث في تحويله علاقة الأمن الإسرائيلية الإماراتية، التي غالبًا ما كانت تتسم بالسرية، إلى تعاون قتالي مباشر على الأراضي الإماراتية. وقد أفاد عدد من المسؤولين الإسرائيليين أن قرار إرسال الكتيبة والصواريخ الاعتراضية جاء بعد اتصال هاتفي بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس دولة الإمارات. وبحسب مصادر أجنبية، تم اعتراض عشرات الصواريخ الإيرانية التي أُطلقت باتجاه الدولة الخليجية بواسطة هذا النظام.
لم يكشف أي مصدر رسمي عن وجود نسخة خاصة من منظومة Iron Dome أُرسلت إلى الإمارات؛ إذ تتوافق المعدات الموصوفة مع بطارية Rafael القياسية، والتي تتكون من وحدات إطلاق صواريخ متعددة مزودة بصواريخ Tamir الاعتراضية، ورادار EL/M-2084 متعدد المهام من إنتاج شركة Elta Systems، ومركز لإدارة المعارك والتحكم بالأسلحة (BMC) الذي يتولى حساب مسارات الصواريخ وتحديد الأهداف، ولا يُصرّح بالإطلاق إلا عندما تُهدد الأسلحة الواردة المناطق المحمية. بالنسبة لمنظومة الدفاع الخليجية المبنية أصلًا على منظومة THAAD و Patriot PAC-3 وغيرها، لم تكن هذه شحنة رمزية، بل إضافة تكتيكية للطبقة الأدنى (Lower Tier).
ويُعدّ صاروخ Tamir الاعتراضي السلاح الرئيسي في منظومة الدفاع الجوي، حيث يبلغ طول الصاروخ حوالي ثلاثة أمتار، وقطره 0.16 متر، ويزن حوالي 90 كيلوجرامًا عند الإطلاق. يستخدم الصاروخ وصلة بيانات للتحكم، وباحث راداري نشط مدمج، ويُدمّر الأهداف برأس حربي شديد الانفجار مُجزّأ. ولذلك، لم تكن أهميته في الإمارات العربية المتحدة تكمن في التغطية الاستراتيجية بعيدة المدى، بل في سرعة التصدي لصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة، والتهديدات الباليستية منخفضة المدى التي تخترق أو تتجاوز الدفاعات عالية المستوى.
يُعدّ رادار EL/M-2084 بنفس القدر من الأهمية؛ وهو رادار نشط (AESA) يعمل بنطاق S-band، ومزود بمصفوفة مسح إلكتروني، ويكشف عمليات الإطلاق، ويرسم صورة جوية ثلاثية الأبعاد، ويتتبع الأسلحة القادمة، ويتنبأ بنقاط الارتطام، ويدعم التوجيه في منتصف مسار صاروخ Tamir. يستطيع الرادار دعم الاشتباكات حتى مسافة 70 كيلومترًا تقريبًا، بينما تمتد قدرته على المراقبة الجوية لمسافات أبعد بكثير، وتستطيع رصد أعداد كبيرة من الأهداف. عمليًا، يمنح هذا الرادار القادة أداة فرز سريعة، تجاهل أي سلاح يسقط في صحراء قاحلة أو بحر، واستهداف أي سلاح متجه نحو قاعدة جوية، أو ميناء، أو مصفاة نفط، أو مركز قيادة، أو منطقة سكنية، أو محطة تحلية مياه.
يُفسر منطق الدفاع الانتقائي هذا سبب أهمية هذه البطارية، رغم امتلاك الإمارات العربية المتحدة بالفعل واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي والصاروخي تطورًا في الخليج. تمتلك الإمارات بطاريات THAAD عاملة، وقد حقق نظام THAAD أول اعتراض قتالي له في الخدمة الإماراتية ضد صاروخ باليستي حوثي في يناير 2022. كما تمتلك أبوظبي صواريخ Patriot اعتراضية للدفاع النهائي، وأنظمة أخرى متوسطة وقصيرة المدى، إلا أن نمط الهجوم الإيراني جمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وأعداد كبيرة من الطائرات المسيرة، مما أدى إلى مشكلة تشبع كلاسيكية، حيث يمكن استهلاك الصواريخ الاعتراضية المتطورة باهظة الثمن بسرعة تفوق سرعة إعادة تزويدها.
ساعد نظام Iron Dome في معالجة مشكلة الكثافة؛ ففي مواجهة غارة جوية تتضمن مسارات وسرعات وارتفاعات وبصمات رادارية مختلفة، يوفر نظام Tamir خيار إطلاق نار أقل تكلفة وأكثر عددًا من نظام THAAD، وبحسب هندسة الاشتباك، يمكنه تخفيف الضغط على منصات إطلاق صواريخ Patriot المخصصة لمواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية أو صواريخ كروز الأكثر تعقيداً. ويُعد تصميمه الذي يسمح له بالعمل في جميع الأحوال الجوية ليلًا ونهارًا، وقدرته على التعامل مع وابل كثيف من النيران، عنصرًا أساسيًا في قيمته الميدانية. بالنسبة للقادة الإماراتيين، تمثلت الفائدة العملياتية في مخزن ذخيرة إضافي ونقطة تحكم نيران إضافية ضمن منظومة الدفاع الجوي الأوسع للتحالف.
وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت هي الأخرى في أمس الحاجه لكل وحدات الدفاع الصاروخي لديها في تلك الحرب، إلا أن فكرة إرسالها لكتيبة قبة حديدة إلى الإمارات لديها مقومات أهمها: - إنعدام إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون من قطاع غزة منذ فترة طويلة، ما قلل كثيرًا حاجة إسرائيل إلى الـ 10 كتائب قبة حديدية التي كانت تحمي بها المستوطنات في غلاف غزة منذ أكتوبر 2023. - وجود عدد كافي من كتائب القبة الحديدة في شمال إسرائيل، والتي أثبتت أنها قادرة "كميًا ونوعيًا" على تدمير صواريخ حزب الله المتوقعة على شمال إسرائيل. - إنخفاض نسبة إحتمالية مشاركة كتائب القبة الحديدة في إعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية بعيدة المدى، على الرغم من ظهور بعض تعديلات فيها تمكنها من ذلك. نظرًا لقلة الصواريخ الإيرانية التي إطلقت على إسرائيل مقارنة بالمواجهات السابقة، ومحدودية مناطق تركيز واستخدام هذه الكتائب في هذه المهمة. - يرجح أن إسرائيل كان لديها فائض أو على الأقل إكتفاء من صواريخ القبة الحديدة، ما قد يكون شجعها على دعم الإمارات. - فرصة لإسرائيل في تقليل الفجوة التي حدث مع الإمارات عقب 7 أكتوبر 2023. - إثبات عملي لدول الخليج أن إسرائيل تستطيع أن تكون شريك عسكري مفيد في مواجهة إيران. ومنذ توقيع اتفاقيات إبراهيم، عمل البلدان على تطوير علاقاتهما بشكل تدريجي في مجالات متعددة، بما في ذلك الدفاع. كما يشتركان في مخاوف أمنية إقليمية مشتركة، خاصة تجاه إيران، مما يعزز الحاجة إلى تطوير والحفاظ على قدرات دفاعية متقدمة. ومن الأمثلة على ذلك شراكة صناعية دفاعية كبرى أُعلن عنها في عام 2024 بين مجموعة “إيدج” الإماراتية وشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، لشراء طائرات “هيرميس 900” المسيّرة، بما يشمل نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي. ورغم أن المعلومات مرجحة لكنها غير مؤكدة بنسبة 100%، إلا أنه يمكن تقييمها باعتبارها خطوة محتملة تستند إلى منطق دفاعي عملي. إذ يتميز نظام القبة الحديدية بفعاليته العالية، بمعدل اعتراض يصل إلى 90%، وكفاءته من حيث الوقت والقدرة على المناورة والتكلفة، إضافة إلى مرونته وقدرته على التعامل مع تهديدات معقدة ومتزامنة ومتنوعة. كما يُقدَّر أن تكلفة كل صاروخ اعتراضي أقل من أنظمة الدفاع الجوي الأخرى مثل “باتريوت”. ومن الجدير بالذكر أن نظام الدفاع الجوي متعدد الطبقات في الإمارات، والمكوّن من ست طبقات، يضم بالفعل نظام “باراك 8” الإسرائيلي، المصمم للتصدي للطائرات والصواريخ الجوالة والذخائر الموجهة بدقة.
يُعدّ هذا السبق الصحفي بالغ الأهمية، إذ لطالما حرصت إسرائيل على
حماية منظومة Iron Dome باعتبارها رصيدًا وطنيًا نادرًا، وقاومت نقلها إلى
دولٍ تخضع لضغوط سياسية شديدة، بما فيها أوكرانيا. وقد تجاوز إرسال بطارية
واحدة إلى الخارج، في الوقت الذي تتعرض فيه الأراضي الإسرائيلية للقصف،
عتبةً كانت السياسة الإسرائيلية السابقة تتجنبها. كما استلزم الأمر من
الجنود الإسرائيليين تشغيل نظام دفاع جوي حساس في دولة خليجية، حيث لا يزال
الوجود العسكري الإسرائيلي العلني موضوعًا حساسًا سياسيًا، على الرغم من
اتفاقيات أبراهام.
ولم يُعلن عن هذا الانتشار سابقًا، وتمثل هذه
الحالة أول استخدام عملي معروف للنظام خارج إسرائيل والولايات المتحدة.
ويكمن المغزى الأعمق في أن اتفاقيات أبراهام قد تجاوزت الدبلوماسية
واستعراضات التسلح، لتتجه نحو التكامل العملياتي في زمن الحرب. وقد منح
الانتشار الإسرائيلي المُعلن عنه الإمارات العربية المتحدة قدرة قتالية
فورية. بالنسبة لإسرائيل، أثبتت العملية أن نظام Iron Dome لا يقتصر دوره
على كونه سلاحًا للدفاع، بل يمكن استخدامه أيضًا كدرع طوارئ قابل للتصدير،
شريطة توفر الطواقم والذخائر وتغطية الرادار والتفويض السياسي اللازم. أما
بالنسبة للإمارات، فقد أظهرت العملية أن حتى الترسانة المتطورة تحتاج إلى
قدرة إضافية لمواجهة حرب الصواريخ والطائرات المسيّرة المستمرة.