في خطوة تعكس التحولات العميقة التي تشهدها الصناعات الدفاعية العالمية بعد الدروس القاسية للحروب الحديثة، أعلنت شركة Kongsberg Defence & Aerospace النرويجية استكمال استحواذها على شركة Zone 5 Technologies الأمريكية المتخصصة في تطوير وإنتاج الصواريخ منخفضة التكلفة والقابلة للإنتاج الكمي الواسع، وذلك بعد الحصول على الموافقات التنظيمية الأمريكية اللازمة. وتمثل الصفقة واحدة من أبرز عمليات الاستحواذ الدفاعية خلال عام 2026، ليس بسبب حجمها المالي فحسب، بل بسبب ما تعكسه من تحول استراتيجي في طبيعة المنافسة داخل سوق الذخائر والصواريخ العالمية.
وبموجب الصفقة، استحوذت Kongsberg على 90% من أسهم الشركة الأمريكية، بينما احتفظ فريق الإدارة الحالي بقيادة المؤسس والرئيس التنفيذي Thomas Akers بحصة أقلية، مع استمرار Zone 5 في العمل كشركة مستقلة ضمن مجموعة Kongsberg. ورغم عدم الكشف عن القيمة المالية للصفقة، فإن أهمية العملية تكمن في التكنولوجيا والخبرات التي تضيفها Zone 5 إلى محفظة الشركة النرويجية، خاصة في مجال ما بات يعرف عسكرياً بـ"الذخائر الجماعية منخفضة التكلفة" أو Affordable Mass Munitions.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه الجيوش الغربية تحدياً متزايداً يتمثل في الحاجة إلى إنتاج أعداد ضخمة من الذخائر والصواريخ بوتيرة أسرع وتكلفة أقل. فقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، أن امتلاك أسلحة متطورة ومكلفة وحده لم يعد كافياً، بل أصبحت القدرة على إنتاج كميات ضخمة من الذخائر واستدامة العمليات القتالية لفترات طويلة عاملاً حاسماً في موازين القوة العسكرية.
ومن هذا المنطلق، تنظر Kongsberg إلى Zone 5 باعتبارها بوابة دخول مباشرة إلى أحد أسرع قطاعات الصناعات الدفاعية نمواً. فالشركة الأمريكية طورت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الصواريخ والمنظومات الاعتراضية المصممة خصيصاً لتحقيق التوازن بين الكفاءة القتالية وتكاليف الإنتاج المنخفضة. ومن أبرز هذه المنتجات صاروخ Rusty Dagger المخصص للضربات بعيدة المدى، وصاروخ White Spike للدفاع الجوي، بالإضافة إلى منظومة Paladin المخصصة لاعتراض الطائرات المسيّرة وتنفيذ مهام مكافحة الأنظمة غير المأهولة.
وتحظى Zone 5 بمكانة متقدمة داخل برامج التسلح الأمريكية الحديثة، إذ شاركت في عدد من المشاريع المرتبطة بسلاح الجو الأمريكي، من بينها برنامج ERAM (Extended Range Attack Munition) وبرنامج FAMM (Family of Affordable Mass Missiles)، اللذان يهدفان إلى تطوير جيل جديد من الصواريخ منخفضة التكلفة والقابلة للإنتاج بأعداد كبيرة لتلبية متطلبات الحروب طويلة الأمد.
ويعكس هذا التوجه تحولاً جوهرياً في الفكر العسكري الغربي. فعلى مدار العقود الماضية، ركزت الولايات المتحدة وحلفاؤها على تطوير أنظمة قتالية عالية التعقيد ومرتفعة الكلفة، إلا أن النزاعات الأخيرة أظهرت أن الخصوم باتوا يعتمدون بشكل متزايد على أسراب المسيّرات والذخائر الرخيصة التي يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة. ونتيجة لذلك، أصبح من غير المنطقي اقتصادياً استخدام صواريخ دفاعية باهظة الثمن لاعتراض أهداف منخفضة التكلفة بصورة مستمرة.
وبالنسبة لـKongsberg، فإن الاستحواذ يمنحها فرصة فريدة لتوسيع محفظتها التي تضم بالفعل بعضاً من أشهر الأنظمة الصاروخية الغربية، مثل Naval Strike Missile (NSM) وJoint Strike Missile (JSM) ومنظومة الدفاع الجوي NASAMS. ومن خلال دمج منتجات Zone 5 ضمن هذه المنظومة الصناعية، تستطيع الشركة تقديم حلول دفاعية أكثر تنوعاً تشمل الصواريخ المتقدمة عالية الأداء إلى جانب الذخائر الاقتصادية المصممة للإنتاج الكمي.
كما تمنح الصفقة الشركة النرويجية موطئ قدم أعمق داخل السوق الأمريكية، التي تعد أكبر سوق دفاعي في العالم. فوجود منشآت إنتاج وتطوير داخل الولايات المتحدة يسهل على Kongsberg الوصول إلى برامج وزارة الحرب الأمريكية والمشاركة في مشاريع التسليح المستقبلية التي تشهد حالياً تركيزاً متزايداً على مفهوم "الكتلة القتالية" والإنتاج واسع النطاق للذخائر.
تشكل الصفقة جزءاً من استراتيجية نمو أكثر طموحاً تتبناها Kongsberg. فقد أعلنت الشركة مؤخراً أهدافاً توسعية ضخمة تستهدف رفع إيراداتها من نحو 33 مليار كرونة نرويجية في عام 2025 إلى 100 مليار كرونة بحلول عام 2029، مع مواصلة النمو إلى 150 مليار كرونة بحلول عام 2033. ويعكس هذا التوجه قناعة الإدارة بأن الطلب العالمي على الأنظمة الدفاعية سيستمر في الارتفاع خلال العقد المقبل نتيجة التوترات الجيوسياسية المتزايدة وتسارع سباقات التسلح الدولية.
واستراتيجياً، تحمل الصفقة دلالات أوسع تتجاوز حدود الشركتين. فالقارة الأوروبية تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة لإعادة بناء مخزوناتها من الذخائر والصواريخ بعد سنوات من الاعتماد على مخزونات محدودة صُممت لعمليات قصيرة الأمد. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أن الاستنزاف السريع للمخزونات يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية خطيرة إذا لم تتوفر قاعدة صناعية قادرة على الإنتاج السريع والكثيف.
وفي هذا السياق، تنظر العديد من الدول الأوروبية إلى نموذج الذخائر منخفضة التكلفة باعتباره أحد الحلول الرئيسية لمواجهة التحديات المستقبلية. فبدلاً من الاعتماد حصراً على أعداد محدودة من الصواريخ المتطورة مرتفعة الثمن، أصبح هناك توجه متزايد نحو امتلاك مزيج من الأنظمة المتقدمة والذخائر الاقتصادية القابلة للإنتاج الجماعي، بما يضمن الحفاظ على القدرة القتالية خلال النزاعات طويلة الأمد.
كما أن تنامي تهديد الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة يجعل منتجات Zone 5 جذابة بصورة خاصة. فأنظمة مثل White Spike وPaladin تم تطويرها أساساً لتوفير وسائل اعتراض منخفضة التكلفة وقابلة للنشر بأعداد كبيرة، وهو ما يتماشى مع احتياجات الجيوش الحديثة التي تبحث عن حلول اقتصادية لمواجهة أسراب المسيّرات المتزايدة التعقيد.
إن استكمال استحواذ Kongsberg على Zone 5 Technologies لا يمثل مجرد توسع تجاري لشركة دفاعية أوروبية، بل يعكس بداية مرحلة جديدة في سوق الصواريخ والذخائر العالمية. فالحروب الحديثة لم تعد تحسم فقط بجودة السلاح، بل أيضاً بقدرة الدول والشركات على إنتاجه بأعداد ضخمة وبتكلفة معقولة. ومن خلال هذه الصفقة، تضع Kongsberg نفسها في موقع متقدم داخل هذا التحول الاستراتيجي، معززة مكانتها كأحد أبرز اللاعبين العالميين في مجالات الصواريخ والدفاع الجوي والأنظمة المضادة للمسيّرات خلال السنوات القادمة.