أخبار: HENSOLDT تكشف عن رادار OrbitISR الفضائي لتعزيز قدرات الاستطلاع العسكري عبر الأقمار الصناعية

كشفت شركة HENSOLDT الألمانية عن منظومة رادارية جديدة تحمل اسم OrbitISR، في خطوة تستهدف توسيع قدرات الأقمار الصناعية العسكرية في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، وتعكس في الوقت ذاته التوجه المتسارع نحو عسكرة الفضاء وتطوير منظومات استشعار فضائية قادرة على توفير معلومات آنية ودقيقة للقوات المسلحة الحديثة. ويأتي الإعلان في وقت تتزايد فيه أهمية الفضاء باعتباره أحد ميادين العمليات الرئيسية إلى جانب البر والبحر والجو والفضاء السيبراني.

ويعتمد النظام الجديد على حزمة إلكترونية لرادار الفتحة الاصطناعية Synthetic Aperture Radar (SAR)، وهي تقنية تتيح إنتاج صور عالية الدقة للأهداف الأرضية بغض النظر عن الظروف الجوية أو مستوى الإضاءة. وعلى عكس المستشعرات البصرية التقليدية التي تتأثر بالغيوم والضباب والظروف المناخية السيئة، تستطيع منظومات SAR تنفيذ عمليات الرصد والتصوير على مدار الساعة وفي مختلف البيئات التشغيلية.

ووفقًا للشركة، يوفر OrbitISR مستويات متقدمة من الوعي الظرفي من خلال أنماط تشغيل متعددة للرادار وإعدادات مرنة تسمح بتكييف مهام الرصد وفق متطلبات المستخدم. كما تم تصميم المنظومة لتلبية احتياجات واسعة تشمل مراقبة التحركات العسكرية، ورصد البنية التحتية الحيوية، وتتبع الأنشطة البحرية، ودعم عمليات الاستطلاع الاستراتيجي طويلة المدى.

وأكدت Marion Koch، رئيسة وحدة الرادارات الجوية والفضائية في HENSOLDT، أن المنظومة الجديدة تجمع بين تقنيات الرادار المتقدمة وبنية هندسية مصممة لتلبية متطلبات المهام المستقبلية، بما يوفر للمستخدمين قدرات تشغيلية مرتفعة مع تقليل المخاطر التقنية وتعزيز الاستقلالية التكنولوجية الأوروبية في مجال الاستشعار الفضائي.

ويتميز OrbitISR ببنية معيارية مرنة تسمح بدمجه مع أنواع مختلفة من الأقمار الصناعية والحمولات الفضائية، وهو ما يقلل تكاليف التطوير ويخفض المخاطر المرتبطة ببرامج الفضاء العسكرية. كما تتيح هذه البنية إمكانية تطوير المنظومة وتحديثها مستقبلاً دون الحاجة إلى إعادة تصميم المنصة بالكامل، وهو عامل أصبح يحظى بأهمية كبيرة في ظل التطور السريع للتكنولوجيا الفضائية والعسكرية.

ولا يمثل المشروع تطويرًا منفصلًا عن خبرة الشركة السابقة، إذ تستند المنظومة إلى أكثر من 25 عامًا من الخبرة الألمانية في مجال رادارات الفتحة الاصطناعية الفضائية، وهي الخبرة التي شاركت من خلالها HENSOLDT في برامج فضائية بارزة مثل TerraSAR-X وTanDEM-X وSARah التابعة لألمانيا. وتوفر هذه الخلفية التقنية أساسًا قويًا لتطوير جيل جديد من الرادارات المخصصة للاستخدام العسكري والاستخباراتي من المدار الأرضي.

تمنح هذه المنظومات القوات المسلحة قدرة متزايدة على مراقبة مسارح العمليات دون الحاجة إلى نشر منصات مأهولة أو طائرات استطلاع بالقرب من مناطق التهديد. فالأقمار الصناعية المزودة برادارات SAR تستطيع متابعة التحركات العسكرية واسعة النطاق، ورصد انتشار القوات، ومراقبة القواعد والمنشآت الاستراتيجية، وحتى اكتشاف التغيرات الطفيفة في مناطق الاهتمام العسكري على فترات زمنية متتابعة.

كما أن دمج الرادارات الفضائية ضمن شبكات القيادة والسيطرة الحديثة يساهم في تسريع دورة جمع المعلومات وتحليلها ونقلها إلى الوحدات القتالية. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات الضخمة، أصبحت المعلومات المستخرجة من الأقمار الصناعية تشكل أحد أهم مصادر بناء الصورة العملياتية المشتركة للقوات المسلحة الحديثة.

يعكس إطلاق OrbitISR تحولًا متزايدًا داخل أوروبا نحو تعزيز الاستقلالية في مجال الفضاء العسكري. فخلال السنوات الأخيرة برزت مخاوف أوروبية من الاعتماد المفرط على القدرات الفضائية الأمريكية في مجالات الاستطلاع والإنذار المبكر والاتصالات العسكرية، ما دفع العديد من الدول الأوروبية إلى الاستثمار بكثافة في تطوير أقمارها الصناعية ومنظوماتها الاستشعارية الخاصة.

ويأتي المشروع أيضًا في سياق سباق عالمي متصاعد لبناء شبكات استطلاع فضائية أكثر كثافة وقدرة على الصمود. فالولايات المتحدة والصين وروسيا تستثمر منذ سنوات في منظومات فضائية عسكرية متطورة تشمل أقمار الاستطلاع البصري والراداري وأقمار الإنذار المبكر ومتابعة الصواريخ. وفي المقابل تسعى أوروبا إلى الحفاظ على مكانتها التكنولوجية وتقليص الفجوة مع القوى الكبرى من خلال مشاريع فضائية سيادية متقدمة.

وتكتسب رادارات SAR الفضائية أهمية متزايدة في الحروب الحديثة لأنها توفر معلومات مستقلة عن الظروف الجوية وعن محاولات التمويه التقليدية. وقد أثبتت النزاعات الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط أن امتلاك صور فضائية حديثة ودقيقة أصبح عنصرًا أساسيًا في عمليات التخطيط والاستهداف وتقييم نتائج الضربات العسكرية.

كما يمكن أن يفتح OrbitISR آفاقًا جديدة أمام الصناعات الدفاعية الأوروبية في سوق الفضاء العسكري العالمي، خاصة مع تزايد الطلب على الأقمار الصناعية الصغيرة والمتوسطة القادرة على تنفيذ مهام استخباراتية متقدمة بتكاليف أقل من البرامج الفضائية التقليدية الضخمة. وتتيح الطبيعة المعيارية للمنظومة إمكانية دمجها في مشاريع فضائية متعددة الجنسيات أو ضمن برامج وطنية مستقلة، وهو ما قد يمنح HENSOLDT فرصًا تصديرية واعدة خلال السنوات المقبلة.

وفي المحصلة، لا يمثل OrbitISR مجرد رادار جديد للأقمار الصناعية، بل يعكس اتجاهًا استراتيجيًا أوسع نحو تعزيز دور الفضاء في العمليات العسكرية الحديثة. كما يؤكد أن المنافسة المستقبلية بين القوى العسكرية لن تقتصر على التفوق في البر أو البحر أو الجو، بل ستعتمد بصورة متزايدة على امتلاك شبكات استشعار فضائية قادرة على توفير صورة استخباراتية دقيقة ومستمرة لساحات العمليات في مختلف أنحاء العالم.