كشفت شركة Airbus Defence and Space عن أول مقاتلة Eurofighter Halcón I مخصصة للقوات الجوية والفضائية الإسبانية، في محطة بارزة ضمن برنامج تحديث القوة الجوية الإسبانية الذي يستهدف إحلال مقاتلات F/A-18 Hornet المتقادمة وتعزيز القدرات القتالية لإسبانيا داخل حلف شمال الأطلسي. ويُعد ظهور الطائرة الجديدة على خط التجميع النهائي في منشأة خيتافي قرب مدريد بداية مرحلة الاختبارات الأرضية والجوية قبل بدء عمليات التسليم المقررة خلال العام الجاري.
وتشكل الطائرة أولى دفعات برنامج Halcón I الذي أطلقته مدريد عام 2022 لشراء 20 مقاتلة Eurofighter من الجيل الأحدث، قبل أن توسع البرنامج في ديسمبر 2024 عبر التعاقد على 25 مقاتلة إضافية ضمن برنامج Halcón II، لترتفع الحصيلة الإجمالية إلى 45 مقاتلة جديدة. ويمثل هذا البرنامج أحد أكبر مشاريع تحديث القوات الجوية الإسبانية خلال العقود الأخيرة، كما يعكس التزام مدريد بالحفاظ على أسطول مقاتلات أوروبي الصنع في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية الأوروبية.
وبحسب البيانات الرسمية، ستُستخدم مقاتلات Halcón الجديدة لإحلال جزء كبير من أسطول EF-18 Hornet العامل حالياً لدى القوات الجوية الإسبانية، وخاصة الطائرات المتمركزة في قاعدة غاندو الجوية بجزر الكناري. وقد دخلت هذه المقاتلات الخدمة منذ عقود وأصبحت تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالعمر التشغيلي وارتفاع تكاليف الصيانة ومحدودية قدرتها على مواكبة متطلبات القتال الجوي الحديثة.
وتنتمي مقاتلات Halcón I إلى معيار Tranche 4 المتقدم، الذي يتضمن مجموعة واسعة من التحسينات التقنية مقارنة بالإصدارات السابقة. ومن أبرز هذه التحسينات دمج رادار ECRS Mk1 AESA العامل بتقنية المسح الإلكتروني النشط، والذي يوفر مدى كشف أكبر وقدرات محسنة في تتبع الأهداف الجوية والسطحية والتعامل مع التهديدات الحديثة في بيئات الحرب الإلكترونية المعقدة. كما تتضمن الطائرة حزمة مطورة من المستشعرات وأنظمة الاتصال وإدارة المعركة.
ومن المقرر أن تضم دفعة Halcón I ست عشرة مقاتلة أحادية المقعد وأربع مقاتلات ثنائية المقعد، بينما ستشمل دفعة Halcón II إحدى وعشرين مقاتلة أحادية المقعد وأربع مقاتلات ثنائية المقعد إضافية. وستدخل هذه الطائرات الخدمة تدريجياً خلال السنوات المقبلة، بما يرفع إجمالي أسطول Eurofighter الإسباني إلى أكثر من 110 مقاتلات عند اكتمال عمليات التسليم.
ولا تقتصر أهمية البرنامج على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى البعد الصناعي والاستراتيجي. فجميع المقاتلات الإسبانية من طراز Eurofighter يتم تجميعها واختبارها وتسليمها داخل منشآت Airbus في خيتافي، ما يضمن استمرار آلاف الوظائف عالية التقنية داخل قطاع الصناعات الجوية الإسباني، ويحافظ على مساهمة مدريد في أحد أكبر البرامج الدفاعية الأوروبية المشتركة.
تمثل Halcón قفزة مهمة في قدرات القوات الجوية الإسبانية. فالمقاتلات الجديدة ستكون قادرة على تشغيل مجموعة واسعة من الذخائر الحديثة، بما في ذلك صواريخ Meteor بعيدة المدى وصواريخ Brimstone III والأسلحة الذكية المتطورة، فضلاً عن الاستفادة من قدرات الربط الشبكي المتقدمة التي أصبحت حجر الأساس في العمليات الجوية الحديثة. كما توفر المنصة قدرة أكبر على العمل ضمن شبكات القيادة والسيطرة المشتركة التابعة للناتو.
ويأتي البرنامج في وقت تشهد فيه أوروبا عودة قوية للاستثمار في القدرات الجوية القتالية نتيجة تدهور البيئة الأمنية في القارة خلال السنوات الأخيرة. فالدول الأوروبية تسعى إلى تعزيز أساطيلها الجوية وتحديثها بالتوازي مع تطوير برامج المقاتلات المستقبلية، وهو ما أعاد الزخم إلى برنامج Eurofighter بعد سنوات من التباطؤ النسبي في الطلبيات الجديدة. وقد ساهمت الطلبات الجديدة من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، إلى جانب اهتمام دول أخرى بالمنصة، في تمديد خطوط الإنتاج إلى منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.
كما يعكس برنامج Halcón توجهاً إسبانياً واضحاً نحو الحفاظ على الاستقلالية الأوروبية في مجال القوة الجوية. ففي وقت اتجهت فيه عدة دول أوروبية إلى شراء مقاتلات أمريكية من طراز F-35، فضلت مدريد مواصلة الاستثمار في Eurofighter وتطويرها باعتبارها العمود الفقري لقوتها الجوية خلال العقود المقبلة. ويمنح هذا القرار الصناعة الدفاعية الأوروبية دفعة إضافية في ظل التحديات التي تواجه برامج الجيل القادم من المقاتلات الأوروبية.
إن ظهور أول مقاتلة Halcón لا يمثل مجرد خروج طائرة جديدة من خط الإنتاج، بل يعكس استمرار الرهان الأوروبي على تطوير قدرات جوية سيادية قادرة على المنافسة عالمياً. كما يؤكد أن Eurofighter لا تزال تحتفظ بمكانتها كواحدة من أهم المقاتلات متعددة المهام في العالم، خصوصاً مع إدخال الرادارات النشطة وأنظمة الحرب الإلكترونية والاتصال الشبكي الحديثة.
يمثل الكشف عن أول مقاتلة Eurofighter Halcón I بداية مرحلة جديدة للقوات الجوية الإسبانية، وخطوة رئيسية في مسار إحلال مقاتلات F/A-18 Hornet التي خدمت لعقود طويلة. كما يعزز البرنامج مكانة Eurofighter داخل السوق الأوروبية ويؤكد استمرارها كركيزة أساسية للقوة الجوية في القارة خلال السنوات المقبلة، في وقت تتزايد فيه أهمية التفوق الجوي ضمن معادلات الردع والصراع الحديثة.