أخبار: أستراليا تختبر أول مدفع AS9 Huntsman محلي الصنع

في إنجاز صناعي وعسكري بارز يعكس تسارع جهود أستراليا لتعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية، أعلنت الحكومة الأسترالية نجاح الاختبارات الأولى لأول مدفع ذاتي الحركة من طراز AS9 Huntsman عيار 155 ملم يتم إنتاجه محلياً داخل البلاد، في إطار برنامج طموح يهدف إلى بناء صناعة مدفعية متقدمة وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في مجال الأنظمة القتالية البرية. وتمثل هذه الخطوة محطة مهمة في مساعي كانبيرا لإعادة تشكيل قدراتها العسكرية بما يتناسب مع البيئة الأمنية المتغيرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وجرت الاختبارات على المنصة التي تم تصنيعها في منشأة Hanwha Armoured Vehicle Centre of Excellence (H-ACE) بمدينة جيلونج في ولاية فيكتوريا، وهي المنشأة التي افتتحتها شركة Hanwha Aerospace الكورية الجنوبية خصيصاً لدعم برامج التصنيع الدفاعي الأسترالية. ويعد المدفع الجديد أول نظام مدفعية ذاتي الحركة ثقيل يتم إنتاجه داخل أستراليا منذ عقود، ما يمنح المشروع أهمية تتجاوز الجانب العسكري ليشمل الأبعاد الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية المرتبطة بتطوير قاعدة إنتاج دفاعية وطنية مستقلة.

ويستند AS9 Huntsman إلى المدفع الكوري الجنوبي الشهير K9 Thunder الذي يعد واحداً من أنجح أنظمة المدفعية ذاتية الحركة في العالم خلال السنوات الأخيرة. وقد تم تطوير النسخة الأسترالية لتلبية متطلبات الجيش الأسترالي مع دمج تعديلات تتناسب مع طبيعة العمليات والمسافات الشاسعة التي تميز الجغرافيا الأسترالية. ويشكل البرنامج جزءاً من صفقة أبرمتها الحكومة الأسترالية مع Hanwha Aerospace تشمل إنتاج 30 مدفعاً من طراز AS9 Huntsman و15 عربة إعادة إمداد بالذخيرة من طراز AS10 Armoured Ammunition Resupply Vehicle.

وتبلغ قيمة البرنامج نحو 1 مليار دولار أسترالي، وقد جرى الإعلان عنه رسمياً ضمن خطة تحديث القوات البرية الأسترالية التي تستهدف تعزيز قدرات النيران بعيدة المدى ورفع مستوى الجاهزية القتالية للقوات المنتشرة عبر القارة الأسترالية ومحيطها الإقليمي. ومن المقرر أن تدخل الأنظمة الجديدة الخدمة التشغيلية خلال السنوات المقبلة لتحل محل بعض القدرات القديمة وتعزز مرونة القوات البرية في مواجهة التحديات المستقبلية.

ويتميز AS9 Huntsman بمدفع عيار 155 ملم بطول سبطانة يبلغ 52 عياراً، وهو ما يسمح له بإطلاق الذخائر التقليدية والموجهة على مسافات بعيدة تتجاوز 40 كيلومتراً، مع إمكانية الوصول إلى مدى أكبر باستخدام أنواع الذخائر المتقدمة. كما يتمتع النظام بمعدل إطلاق مرتفع وقدرة على تنفيذ ضربات سريعة ومتتالية قبل تغيير موقعه مباشرة لتفادي نيران المدفعية المضادة، وهو تكتيك أصبح أساسياً في ساحات القتال الحديثة التي تعتمد على أنظمة الاستشعار والرصد الفوري.

ويعمل المدفع على هيكل مجنزر يوفر مستوى عالياً من الحركة عبر مختلف التضاريس، ما يمنحه القدرة على مرافقة القوات البرية في العمليات الهجومية والدفاعية على حد سواء. كما يضم نظام إدارة نيران رقمياً متقدماً يسمح بتنفيذ عمليات الاستهداف وإطلاق النار بسرعة كبيرة مع تقليل الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة.

وتكتسب هذه القدرات أهمية متزايدة في ضوء الدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية، حيث عادت المدفعية الثقيلة لتلعب دوراً محورياً في حسم المعارك واستنزاف الخصوم. وقد أظهرت العمليات العسكرية الحديثة أن القوات التي تمتلك قدرة أفضل على المناورة بالنيران وتنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى تتمتع بأفضلية كبيرة في ميدان القتال. ولهذا السبب تشهد المدفعية ذاتية الحركة نهضة عالمية بعد سنوات من التركيز على العمليات غير النظامية ومكافحة التمرد.

يمثل المشروع نقطة تحول في استراتيجية أستراليا الدفاعية. فبدلاً من الاكتفاء بشراء المعدات الجاهزة من الخارج، تسعى كانبيرا إلى بناء منظومة تصنيع محلية قادرة على إنتاج وصيانة وتطوير الأنظمة القتالية داخل البلاد. وقد أسهم برنامج AS9 في إنشاء خطوط إنتاج جديدة ونقل خبرات تقنية متقدمة إلى الصناعة الأسترالية، إضافة إلى توفير مئات الوظائف المتخصصة في مجالات الهندسة والتصنيع العسكري.

كما يعزز المشروع الشراكة الدفاعية المتنامية بين أستراليا وكوريا الجنوبية، والتي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز محاور التعاون الصناعي العسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. فقد نجحت Hanwha Aerospace في ترسيخ حضورها داخل السوق الأسترالية عبر مجموعة من البرامج الكبرى، بما في ذلك عربات المشاة القتالية والمدفعية وأنظمة الدعم اللوجستي، ما يجعل أستراليا إحدى أهم قواعدها الصناعية خارج كوريا الجنوبية.

واستراتيجياً، يعكس دخول AS9 Huntsman مرحلة الاختبارات إدراكاً أسترالياً متزايداً لأهمية امتلاك قدرات نيران بعيدة المدى يمكن الاعتماد عليها في أي سيناريو إقليمي محتمل. فالتطورات الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ دفعت العديد من الدول إلى الاستثمار بكثافة في الصواريخ والمدفعية وأنظمة الضربات الدقيقة، وهو ما جعل تعزيز قدرات المدفعية المتحركة أولوية متقدمة ضمن خطط تحديث الجيش الأسترالي.

كما أن التصنيع المحلي لهذه الأنظمة يمنح أستراليا هامشاً أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية في أوقات الأزمات، حيث يقلل من الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية ويضمن استمرار عمليات الدعم والصيانة والإنتاج حتى في حال تعرض الأسواق العالمية أو خطوط الإمداد الدولية لاضطرابات كبيرة. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة والتنافس المتصاعد بين القوى الكبرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

يؤكد نجاح البرنامج استمرار الطلب القوي على عائلة K9 Thunder ومشتقاتها، التي أصبحت خلال العقد الأخير واحدة من أكثر أنظمة المدفعية ذاتية الحركة انتشاراً على مستوى العالم. فقد تبنتها أو طلبتها عدة دول في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ما عزز مكانة Hanwha Aerospace كواحدة من أبرز الشركات العالمية في قطاع المدفعية الثقيلة.

إن اختبار أول مدفع AS9 Huntsman يتم إنتاجه داخل أستراليا لا يمثل مجرد إنجاز تقني أو صناعي، بل يجسد تحولاً استراتيجياً أوسع في فلسفة الدفاع الأسترالية. فمن خلال الجمع بين تطوير القدرات القتالية وبناء قاعدة صناعية محلية متقدمة، تسعى كانبيرا إلى ضمان امتلاك قواتها المسلحة أدوات الردع والقوة النارية اللازمة لمواجهة تحديات المستقبل، مع ترسيخ مكانتها كأحد المراكز الصاعدة للصناعات الدفاعية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.