في واحدة من أكبر خطط التوسع الصاروخي التي أعلنها الجيش الأمريكي خلال السنوات الأخيرة، كشفت وثائق ميزانية السنة المالية 2027 عن توجه وزارة الحرب الأمريكية لشراء 1,134 صاروخاً من طراز Precision Strike Missile (PrSM) إلى جانب زيادة أعداد منظومات M142 HIMARS، في إطار استراتيجية واسعة تهدف إلى تعزيز قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى وإعادة تشكيل القوة النارية البرية الأمريكية بما يتناسب مع متطلبات الصراعات المستقبلية عالية الكثافة.
وتعكس الأرقام الجديدة تحولاً جوهرياً في أولويات الجيش الأمريكي، حيث طلبت الخدمة العسكرية ما يقارب 2 مليار دولار لشراء صواريخ PrSM خلال السنة المالية 2027، وهو ما يمثل زيادة ضخمة مقارنة بالاعتمادات التي خصصها الكونغرس للبرنامج خلال عام 2026. وتأتي هذه الزيادة في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة بناء مخزوناتها من الذخائر بعيدة المدى وتعويض الاستهلاك المتزايد للصواريخ الدقيقة في العمليات العسكرية الأخيرة.
ويُعد PrSM الجيل الجديد من الصواريخ التكتيكية الأرضية الأمريكية المصمم ليحل تدريجياً محل صواريخ ATACMS التي خدمت لعقود داخل القوات البرية الأمريكية. وقد دخل الصاروخ الخدمة العملياتية عام 2023 قبل أن يبدأ الانتشار بوتيرة متسارعة داخل وحدات المدفعية الصاروخية. ويتميز الصاروخ بمدى يتجاوز 500 كيلومتر مع دقة إصابة مرتفعة وقدرة على الاشتباك مع أهداف متنوعة تشمل مراكز القيادة ومنظومات الدفاع الجوي والقواعد العسكرية والبنية التحتية الحيوية خلف خطوط العدو.
وتكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة لأنها تمنح القوات البرية الأمريكية قدرة كانت حكراً في السابق على الطيران القتالي أو الصواريخ الجوالة البحرية. فبدلاً من الاعتماد الكامل على المقاتلات أو السفن الحربية لتنفيذ الضربات العميقة، بات بإمكان وحدات المدفعية الصاروخية استهداف أهداف استراتيجية على مسافات بعيدة من خلال منصات متنقلة يصعب اكتشافها واستهدافها.
كما يتزامن التوسع في شراء الصواريخ مع خطط لزيادة عدد منصات الإطلاق، وعلى رأسها منظومات M142 HIMARS التي أصبحت أحد أشهر أنظمة المدفعية الصاروخية في العالم بعد أدائها خلال الحرب الأوكرانية. وتتميز HIMARS بقدرتها العالية على المناورة وسرعة الانتشار وإطلاق الصواريخ ثم مغادرة الموقع خلال دقائق قليلة، ما يزيد من فرص بقائها في بيئة قتالية مليئة بوسائل الاستطلاع والاستهداف الحديثة.
ويبدو أن الجيش الأمريكي لا ينظر إلى PrSM باعتباره مجرد بديل لصواريخ ATACMS، بل كأساس لعائلة كاملة من الصواريخ المستقبلية. فالنسخة الحالية المعروفة باسم Increment 1 توفر قدرات ضرب أهداف برية بعيدة المدى، بينما يجري العمل على نسخ أكثر تطوراً مزودة بباحثات متعددة الأنماط تسمح بمهاجمة السفن المتحركة في البحر، إضافة إلى نماذج مستقبلية ذات مدى أكبر بكثير.
ويعكس هذا التوجه التغير العميق الذي طرأ على العقيدة العسكرية الأمريكية خلال العقد الأخير. فبعد سنوات من التركيز على مكافحة التمرد والعمليات غير النظامية في العراق وأفغانستان، عادت واشنطن إلى الاستعداد لمواجهة خصوم يمتلكون قدرات عسكرية متقدمة مثل الصين وروسيا. وفي مثل هذه المواجهات، تصبح القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى ضد مراكز القيادة والقواعد الجوية ومنظومات الدفاع الجوي عاملاً حاسماً في تحقيق التفوق العملياتي منذ الساعات الأولى للنزاع.
وتحظى منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأهمية خاصة في هذا السياق. فالجيش الأمريكي يرى أن أي مواجهة محتملة مع الصين ستتطلب القدرة على ضرب أهداف بعيدة داخل بيئة شديدة التعقيد جغرافياً وعملياتياً. ولذلك يجري الاستثمار بكثافة في منظومات قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة من مواقع متنقلة موزعة على مساحات واسعة، وهو الدور الذي صُممت HIMARS وPrSM لأدائه بشكل مثالي.
يمثل الطلب على أكثر من ألف صاروخ دفعة كبيرة لشركة Lockheed Martin المنتجة للمنظومة. فالشركة تعمل حالياً على رفع معدلات الإنتاج لمواكبة الطلب الأمريكي المتزايد وطلبات التصدير القادمة من حلفاء واشنطن. وقد شهد البرنامج بالفعل توسعاً كبيراً بعد توقيع عقود إنتاج واسعة النطاق خلال العامين الماضيين، مع خطط لتوريد مئات الصواريخ سنوياً خلال النصف الثاني من العقد الحالي.
كما أن الاهتمام الدولي بالصاروخ يشهد نمواً متسارعاً. فدول مثل أستراليا بدأت بالفعل اعتماد PrSM ضمن خططها الخاصة بالضربات بعيدة المدى، بينما تدرس دول أخرى دمجه ضمن قواتها البرية مستفيدة من انتشاره على منصات HIMARS الموجودة لديها أو المخطط للحصول عليها.
إن طلب شراء 1,134 صاروخاً لا يعكس مجرد زيادة كمية في المخزون، بل يعبر عن تحول نوعي في مفهوم القوة البرية الأمريكية. فبدلاً من الاعتماد على المدفعية التقليدية قصيرة المدى، تتجه واشنطن نحو بناء شبكة نيران عميقة قادرة على ضرب أهداف استراتيجية على مسافات كانت تُعتبر سابقاً ضمن اختصاص القوات الجوية والبحرية فقط.
كما تؤكد هذه الخطط أن "المدفعية بعيدة المدى" أصبحت أحد أهم محاور التحديث العسكري الأمريكي. وقد وصف الجيش الأمريكي مراراً قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى بأنها أولوية التحديث الأولى، باعتبارها العنصر الأساسي لاستعادة التفوق على المنافسين الاستراتيجيين في العقود المقبلة.
إن خطة شراء 1,134 صاروخ PrSM ومنظومات HIMARS إضافية ضمن ميزانية 2027 تمثل أحد أكبر برامج التوسع في مجال الضربات البرية بعيدة المدى منذ نهاية الحرب الباردة. كما تكشف عن توجه أمريكي واضح نحو بناء قوة نارية قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة وعميقة ضد أهداف استراتيجية في بيئات قتالية معقدة، وهو توجه من المرجح أن يؤثر بصورة مباشرة على توازنات القوة العسكرية العالمية وسوق الصواريخ التكتيكية خلال السنوات المقبلة.